رؤية نقدية لفيلم Feast of Love
"عيد الحب".. مزاد علني للقلوب الجريحة
مهما تعامل عشاق الفيلم الأمريكي "عيد الحب Feast of Love" 2007 إخراج روبرت بنتون مع مشكلات الحب بعقلانية؛ تظل هناك مناطق غيبية يسمونها "أسرار القلوب" ليس لها تصنيف ولا تفسير.
ينضم فيلمنا إلى الفيلمين الممتعين للأمريكي بنتون "كرامر ضد كرامر Kramer vs. Kramer" 1979، و"وصمة إنسانية Human Stain" 2003، ليؤكدوا جميعا قدرته على سبر أغوار مشاعر البشر الميئوس من حل شفراتها.
استلهم سيناريو إليسون بيرنت رواية "عيد الحب" الصادرة عام 2000 للأمريكي تشارلز باكستر، ليبرهن أن السعادة والاحتفال هي كل لحظة يعبر فيها الإنسان عن مشاعره ويمارسها بكل عذابها.
يوما ما يغادر المدرس الأسمر هاري -مورجان فريمان- فراشه، وهو يعلن لزوجته إستر -جين ألكسندر- التي تشعر به فورا أنه لا يستطيع النوم. وتصاحبه كاميرات كرامر مورجنذاو، وهو يتلكأ على قدميه ليلا وحيدا دون هدف وسط الحدائق الهادئة، ويؤسس مونتاج أندرو موندشاين مع دندنات حزينة للمؤلف الموسيقي ستيفن تراسك سياقا من التراخي بفعل حالة الأرق والحركة الارتجالية.
تختل عقارب الساعة داخل البطل بالتدريج، وتتثاقل بفعل ثقل الذكريات الخانقة، حتى تتجسد أقصى درجات الارتباك الزمني عندما يتمرد هاري على الحاضر بوقفة اضطرارية قصيرة، ليقوم برحلة فلاش باك استرجاعية ذهنية ليشركنا في أسباب همومه، بعدما صَدَمَنا بالنتيجة مباشرة.
فيحيي ذكرياته مع أصحاب قصص حب ملتهبة تدور في أوريجون بأمريكا، والتي شهد عليها من "الكوفي شوب" الذي يملكه صديقه برادلي -جريج كنيار-، ويتخذه برجا للمراقبة الأرضية العاطفية ليلاحظ ويدون وينصح بكلمات موارية حكيمة، ويتدخل بالفعل أحيانا. ثم يعود هاري بحصيلة خبرات اليوم إلى زوجته الهادئة إستر، لتقوم بالدور المكمل في الاستفهام والدهشة والتحليل ولو بلغة الصمت؛ فهاري هو راوي جميع الأزمان.
قسّم الفيلم قصص الحب إلى فصول طويلة لمسرحية متعددة الصراعات والثنائيات، استخدم فيها المخرج لقطات قصيرة للغاية، مثلا الفلاشات بلا بداية ولا نهاية، ليستخلص هدفه من المشهد في عالم كل حبيبين، ثم يلملم كل العشاق في جديلة واحدة، وهكذا تنتهي علاقة حب إزاء بناء أخرى، وهكذا.
زواج وانفصال.. ثم شذوذ!
فقد قررت كاثرين -سلمى بلير- مغادرة برادلي لأنه لا يفهمها ولا يعرفها بعد ست سنوات من الزواج، وفضلت عليه علاقة "شذوذ جنسية" مع جيني -ستانا كاتك- التي تتقبلها كما هي. بينما يتسلم عامل "الكوفي شوب" الشاب أوسكار -توبي همنجواي- الراية، ويقيم علاقة حب مع زميلته الجديدة المفلسة كلوي -إليكسا دافالوس-، مع خالص العزاء والتحدي لوالده الذي يتفنن في تعكير صفو حياة ابنه.
وتعود الدائرة إلى برادلي الذي يقع فجأة في غرام سمسارة العقارات ديانا -رادا ميتشل-، والتي تعيش بدورها قصة حب ملغومة مع صديقها المتزوج ديفيد واتسون -بيلي بورك-، لتختلف نسبية العلاقات ورؤية الحياة، ويظل عنصر الثبات ومسمار الأمان قائما في علاقة هاري وزوجته، بالرغم من مأساتهما في وفاة ابنهما المدمن وهما لا يدريان.
لغة بصرية معبرة
قدم المخرج مع مدير التصوير لغة بصرية معبرة، تجسدت في تحديد وتوظيف مصادر الإضاءة الطبيعية والصناعية -بين الأطراف المتصارعة- بدرجات وكثافات وانعكاسات تشكيلية مختلفة، وأحيانا كان يترك البطل منغمسا بالكامل في مصدر الإضاءة، ليتحول هو نفسه إلى قطعة ضوئية تعكس نورانية الحب المتحقق أو المفتقد.
وتنضم المواجهات الضوئية إلى المواجهات البصرية داخل كل مشهد، عندما تعمد المخرج احتواء الكادر للعاشقين فقط، وتقديم دلالات وعلامات متوقعة أو صادمة تعبر عن حقيقة علاقتهما في هذه اللحظة؛ وكأن كل قصص الحب تفتح مزادا علنيا على القلوب الجريحة لتبوح وتنفجر وتفتش عن مشتر جديد يستحقها.
عندما احتلت الشاشة مساحة كاملة من السواد مدة طويلة مقصودة، كان هذا إعلانا عبر المونتاج لبداية مرحلة جديدة في منهج المخرج، وإعادة تخطيط رسم بياني للعلاقات بعد الوصول إلى لحظات حرجة، وخاصة بعد زواج برادلي بديانا، بالرغم من اختلاف مفهوم الحب بينهما تماما.
فقدم المخرج مساحات حرية أكبر داخل المشاهد كزمن وأحداث ومناقشات، فلا بد من اتخاذ قرارات حاسمة لاستكمال أو تحطيم العلاقات التي تولدت من الجزء السابق كفعل أو رد فعل. ولم تعد الغرف المغلقة كافية لاحتواء عزلة الحبيبين وإخفائها عن العيون، فانتقلنا إلى مساحات الأماكن العامة والتجمعات البشرية والمواجهات الجماعية.
أمسك المونتاج بزمام الوقت جيدا من قدميه ليتوقف حتى لا يطير الأمل الباقي في تعديل مسار الأبطال مع الاعتذار للضحايا، بينما تعامل مع المحتوى الضمني للصراعات المشتعلة بزمن عكسي مخالف يسابق الريح، وتضرب الفوضى العارمة كل العشاق؛ فَتَعَارُضُ الرغبات والهوى مع الأفعال هو الجحيم بعينه!.
من أرقى الأفكار الإنسانية التي يطرحها الفيلم إصابة الحب للعاشق كصاعقة تدمر نسخته القديمة، وتشكل نسخة جديدة معدلة تعيش على سجيتها. فلماذا يقاوم برادلي المهزوم وقوعه في حب الطبيبة المجرية مارجيت -إريكا ماروزان- من أول نظرة؟ ولماذا تخجل كلوي الكبيرة المتزوجة أن تطلب من هاري وزوجته أن يتبنياها؟ ولماذا يضيع الإنسان عمره في الخلط بين الاحتياج والضعف، ويظل يلف حول نفسه كالبالون المثقوب إلى الأبد؟!.

