السفاح ديب.. مواطن جريمته السذاجة!
يستحق الفيلم الأمريكي الإنجليزي "سويني تود / Sweeney Todd" 2007 إخراج الأمريكى تيم بورتون المشاهدة مرات، لكن المفارقة أن مشاهده الدموية أوقعته تحت مقصلة الرقابة، حتى بلغ الأمر فرمان منع العرض أحيانا.
"سوينى تود" هو اختصار متداول لعنوان الفيلم الطويل "سويني تود: الحلاق الشيطاني لشارع فلييت/Sweeney Todd: The Demon Barber of Fleet Street"، على اسم قاتل محترف شهير ظهر في الكتب الإنجليزية مع شريكته مسز لافيت، التى سميت في قصص أخرى بأسماء مختلفة، ويعتقد البعض أن لهذه القصة أصولا حقيقية.
وبدلا من إدانته تماما وحجب أي منفذ تعاطف، منحه المؤلف الإنجليزى كريستوفر بوند في نصه المسرحي المنشور 1973، هدية امتلاكه الدافع الإنساني للانتقام كرد فعل مكبوت بدلا من فطرته السيئة.
في عام 1979 قدم الإنجليزي الراحل هيو ويلر معالجة مسرحية مع أشعار وألحان الأمريكي ستيفن سوندهايم، وحولا النص إلى واحد من أنجح الأعمال المسرحية الموسيقية الغنائية في برودواي من وقتها وحتى الآن.
هذه المرجعية المسرحية هي التوجه الفكري الأساسي للسيناريست جون لوجان في معالجته السينمائية هنا، مما يفسر لنا منهج المخرج في المزج بين تكنيك السينما والمسرح.
في خمسينيات القرن التاسع عشر في العصر الفكتوري عاد إلى مدينته لندن الحلاق بنجامين باركر سابقا (جونى ديب) ، وسويني تود حاليا من منفاه في أستراليا، بمساعدة البحار الشاب أنتونى هوب (جيمي كامبل باور) بعد خمسة عشر عاما من الحبس ظلما. وكل جريمته أنه كان حلاقا ساذجا يعيش مع زوجته الجميلة وابنته، لكن القاضى تربن (آلان ريكمان) أبعده طمعا في زوجته بمساعدة الشرطي الحقود بامفورد (تيموثى سبال).
نقلة مونتاج ضرورية بسيطة لكريس ليبنزون بين أحوال وملامح باركر أو تود في الحاضر والماضي، ترسم لنا خريطة مخيفة لبحور الدماء القادمة. فقد خصه ماكياج وتصفيف شعر إيفانا بريموراك الآن بهالات سوداء حول عينيه وبياض شاحب وخصلات جافة، تدلنا مع ملامحه الغاضبة وعينيه المقهورة إلى الحصار داخل حالة الموت.
وامتد سواد المصير إلى تصميم ملابس كوليين آتوود الباردة، وإضاءة مدير التصوير داريوس وولسكي التي أغرقت سويني في ظلام مخيف. لولا ضوء مصاحب للبحار كترديد لشخصية باركر سابقا، التي شاهدناها في الماضي هائمة في النور والبراءة والألوان السمحة.
مبررات الانتقام الكاسح
وتولت الجارة المشئومة مسز لافيت (هيلينا بونهام كارتر) صانعة فطائر اللحم المقززة إخبار تود باقي المأساة، باغتصاب القاضي للزوجة الساذجة علنا في حفل للطبقة الأرستقراطية الفاسدة، ثم تناول زوجته للسم ووقوع ابنتهما الصغيرة جوانا في يد القاضي. لتتكامل كل مبررات الانتقام الكاسح اجتماعيا وأخلاقيا، ويتأكد البعد السياسي بعد اختيار مهنة الظالم ليكون قاضيا ورمزا للسلطة، وممثلا لطبقة بأكملها تسحق المواطنين وما زالت تتمادى، بدليل وقوع جوانا الكبيرة الآن (جين وايزنر) أسيرة في بيت القاضي؛ فعالم بلا رحمة لا يستحق الرحمة!
وكان القرار بالانتقام من كل الناس ليذبح تود زبائنه في الطابق الأعلى، وتتولى لافيت أسفل تحويلهم إلى فطائر أقبل عليها الناس مع الأسف!
لعبت مسز لافيت عند تود دور الراوي لما يجهله، والصوت المصاحب له الآن في الحوار العادي والمغنى، والمعلمة التى أفهمته أن تدبير الخطة هو نصف المتعة، والخزنة التى حفظت له أمواسه الفضية الحادة، والنظارة المعظمة التي يطل بها على العالم الخارجي، وبعض ملامح ضعيفة من فطرته الطيبة السابقة في تعاطفها مع زوجته، والتجسيد الشره لفعل الانتقام بعدما تفرغ تود لقتل الغرباء بدلا من أعدائه وتحرير ابنته التي لم يرها، مع أن أنتوني الذي رآها وأحبها أخبره بإمكانية رؤيتها خلف زجاج النافذة التى لا تفارقها.
قدم المخرج مع مصممة الديكور فرانشيسكا لو شيافو تنويعات بصرية على لعبة زجاج النوافذ والمرآة، حيث أفرغ غرفة تود تقريبا باستثناء كرسي الضحايا وصندوق، ونافذة زجاجية مرتفعة غريبة مائلة بحدة إلى الداخل وكأنها ستقع، تحيلنا إلى تطرف شخصية تود وخلل المجتمع واقتراب الانهيار. وتحولت الأسطح اللامعة الشفافة إلى شاشات سينما داخلية، يشاهد منها الأبطال العالم الآخر والعكس صحيح، حتى يأتي الدور على من سيعبر الحدود عند الآخر.
غطى المخرج مع مدير التصوير عوالم تود ولافيت والقاضي بمساحات ظلام، تتخللها درجات رماديات متباينة اللون والكثافة نهارا وليلا، كانعكاس لضباب لندن الخانق حسب طبيعة البيئة، ليختزل العالم في لوحة تشكيلية مهيمنة تعكس الظلم القاتل للمواطنين الطيبين.
يتضح تكنيك المسرح في هذه المنظومة الموسيقية من المشاهد الطويلة، والثبات على شخصيات قليلة، والتنقل المختصر جدا في المكان والزمان باستغلال بعض الحلول السينمائية، مع توظيف أبعاد المنظور كأنها خلفيات مسرحية متعددة المستويات.
ربما تستحق ضحية مثل الحلاق بريني (ساكا بارون كوهين) القتل لأنه هدد تود بالابتزاز، لكن ما ذنب مساعده الولد الصغير توبي (إد ساندرز) الذى أحب لافيت لسوء حظه؟ إلى هذه الدرجة أعمى هوس الدماء وامتلاك سلطة الموت بصيرة قلب سويني، حتى أنه قتل المتسولة (لاورا ميشيل كيلي) لمجرد هذيانها بكلمات عن هذا المكان المشؤوم، ولم يشعر أبدا أنها هي زوجته السابقة لوسي التي انتظرته سنوات ببقايا عقل وقلب وجاء أخيرا ليقتلها بيديه!
معرض الصور


أرسل تعليق